روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

56

مشرب الأرواح

بأحسن الثناء عند إيفاء الوفاء بقوله : وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [ التّوبة : 111 ] ، قال العارف : الوفاء في الحقيقة أن لا يختار المحب على محبوبه شيئا دونه . الفصل الثالث والثلاثون : في رؤية النعمة رؤية النعمة حجاب بين العبد وبين رؤية المنعم فإذا كمل في الشكر ورقى في مدارج الحمد وصارت النعمة عنده مرآة انكشف فيها له جمال المنعم ، فإذا رأى المنعم ومدحه مكان الشكر سقطت النعمة عن عينه وبقي المنعم في عينه ولا يحتجب به عنه أبدا وهذا وصف سيد الأنبياء عليه السلام حيث شكر اللّه سبحانه عنه بقوله عند رؤيته : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) [ النّجم : 17 ] ، قال : رؤية النعمة بشرط ذكر المنعم مرقاة ترتقي فيها إلى رؤية المنعم ، وإذا كان بخلاف ذلك بقي في مقام الشكر ولا يبلغ إلى مشاهدة الصفة . الفصل الرابع والثلاثون : في الهجرة هجرة العارفين من معادن الأشباح إلى عالم الأرواح أولهم رسوم المعاملات وآخرهم العيش في المعاينات يردون ما أخذوا من العناصر والأكوان إلى الحوادث ويسيروا في طريق القدم والبقاء ، قال تعالى في وصفهم : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا [ الأنفال : 72 ] الآية ، وقال عليه السلام : « المهاجر من هجر الخطايا والذنوب » « 1 » ، وقال العارف : الهجرة انسلاخ السر عن وصف الطبيعة بنعت الحرمة في مشاهدة الربوبية . الفصل الخامس والثلاثون : في المعرفة إذا ظهر سر العارف من ممكنات أخلاق الطبيعة النفسانية يصير معدن الكرامات وتظهر في قلبه ينابيع الحكم والمعاملات السنية ويكون مثاب المراحة للأنام ويطرد ضايع معروفه في جميع الأحوال في الدنيا والآخرة ، قال تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [ الأعراف : 58 ] ، وقال جلّ وعلى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ( 24 ) [ إبراهيم : 24 ] ، وقال عليه السلام : « أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة » وقال العارف : المعروف فرع المعرفة وهو نور مصباح المحبة وإذا ارتفع ضوؤها يطير فراش الوهم حولها .

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .